الرئيسية / فن وثقافة / “نهاية البكور” بعد سبعة عشر عاماًفهل يبدو الأمر مجرد “ملهاة” جديدة أم ماذا

“نهاية البكور” بعد سبعة عشر عاماًفهل يبدو الأمر مجرد “ملهاة” جديدة أم ماذا

قبل سبعة عشر عاماً كان مستشار الرئيس عصام صديق يخوض معركته في الجبهات كافة، يسوِّق لفكرة (البكور) ودورها في زيادة الإنتاج في البلاد، وقتها تمضي الحكومة في اتجاه شوكة الساعة وتحركها ستين دقيقة للأمام. أمس الأول تجيز قطاعات مجلس الوزراء توصية بإعادة ساعة السودان لتوقيتها القديم، التوصية في انتظار إجازتها من مجلس الوزراء لاحقاً. ما يجدر ذكره أن عودة الساعة إلى توقيتها القديم هي إحدى التوصيات التي تمخض عنها مشروع الحوار الوطني، تبدو المفارقة في أن الرجل الذي كان يدافع عن فكرة (البكور) قبل سبعة عشر عاماً خرج أمس ليقول إن تطبيقها في ذلك التوقيت كان (كارثة)، وإن إعادتها الآن لا تعدو سوى كونها عملية لإلهاء الناس، لم ينسَ صديق أن ينسب تغيير التوقيت إلى آخرين. بالنسبة لعراب (البكور) فإن إعادة الساعة لوضعها القديم تبدو أمراً بلا جدوى، لكنها بالنسبة لمجلس الوزراء ومن قبله المتحاورين في القاعة، تهدف بشكل رئيس إلى إعادة التناسب بين السودان ومحيطه الإقليمي.
العودة للزمن القديم تطرح تساؤلاً: لماذا في هذا التوقيت بالتحديد؟ بالنسبة لصديق فإن الأمر لا يعدو سوى كونه محاولة لإلهاء الناس، وهي ذات الرؤية التي يقول بها القيادي في تحالف المعارضة ساطع الحاج، حين يؤكد أن الأمر لا يعدو سوى كونه (بروباغندا) حكومية هدفها الرئيس الهروب من الأوضاع السيئة في المجالات كافة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. بالنسبة للحاج فإن هذا الأمر يمثل سلوكاً إنقاذياً، فكلما ضاقت بالسلطة الوقائع حاولت الهروب إلى قضية تشغل بها الناس وتلهيهم عن قضاياهم الحقيقية والملحة، ولكن هذا الأمر بات لا يجدي. ويتساءل ساطع: لماذا العودة للزمن القديم بعد مرور سبعة عشر عاماً، أليس الأمر مدعاة للتساؤل لماذا التغيير في ذلك التوقيت والعودة الآن؟
يذكر في ذلك التوقيت، أن السبب الرئيس في تغيير الزمن تم رده إلى محاولة المساهمة في زيادة الإنتاج، وهو ما يطرح سؤالاً يتعلق بنسبة الإنتاج طوال الأعوام السابقة وفقاً لتطبيق نظرية البكور؟ يرد ساطع على ذات الأمر بالقول إن عملية الإنتاج لا ترتبط بأي شكل من الأشكال بجر شوكة الساعة تقديماً وتأخيراً، بقدر ما ترتبط بضرورة توفير مقومات الإنتاج الحقيقية وتقديم التسهيلات، الأمر الذي بدا معكوساً في فلسفة حكومة البكور، التي تخلصت من مشاريع الإنتاج القومية تنفيذاً لاستراتيجية الخصخصة، وذهبت لتبحث عنه (الإنتاج) في مكان آخر، وما ينطبق على المبرر الأول بزيادة ساعة التوقيت ينطبق أيضاً على مبرر إعادته بهدف خلق التناسب مع دول الإقليم، فالتناسب بمعناه السياسي هو انخراط السودان في مشاريع إصلاح سياسي حقيقي، وبالتالي المضي قدماً في مشروعات تنموية حقيقية وليس عبر توحيد الزمن.
في الوقت الذي اعتبر فيه بعض أن العودة إلى الزمن القديم خطوة في الاتجاه الصحيح، منطلقين من المعاناة التي خلقها تغيير التوقيت في عام 2000، حين بات الصغار يستيقظون عند الخامسة صباحاً، وهي في الحقيقة الساعة الرابعة في وقت ما زال الظلام يغطي الشوارع، وهي معاناة دفع ثمنها الكثيرون، وهو ما جعلهم يعتبرون أن قرار إعادة الأمور لنصابها قد تأخر كثيراً، وأدى حتى لتغيير الساعة البيولوجية للمواطنين السودانيين، وجعلها تؤثر سلباً على عملية الإنتاج. المفارقة بدأت بأن صاحب رؤية البكور نفى أنه قد قام بجر الساعة، وإنما تمثلت فكرته الرئيسة في تقديم وقت العمل نصف ساعة، ربما لا تنتهي المفارقات وصحف الخرطوم تخرج أمس بما يفيد بتغيب الموظفين عن الدوام في معظم المؤسسات الحكومية، الأمر الذي تطلب التلويح بأن ثمة زيارات تفقدية لأداء المؤسسات سيقوم بها رئيس الوزراء من أجل ضبط دولاب العمل.
كانت توصية قطاعات مجلس الوزراء بالعودة للتوقيت القديم تفتح الباب على مصراعيه أمام ردود فعل المواطنين، التي غلبت عليها الأمنيات المغلفة بالسخرية، حين كتب أحدهم (الحكومة رجعت الساعة محلها القديم، عقبال ما ترجع لينا السودان القديم ذاته، ومعاه مشروع الجزيرة والسكة حديد التي كنا نضبط عليها ساعاتنا وسودانير، وقبل كل ذلك عقبال ما يعود جنيه البلد يهز ويرز). مؤكد لم تخلُ تعليقات الكثيرين على قرار إعادة التوقيت، من أنه لا يخرج من سياق المحاولات الحكومية لإلهاء الشعب عن القضايا الأساسية، حيث يعلق أحد المواطنين وهو يحمل هم ما يمكن أن يحدث غداً، (يعني تاني حنرجع لسؤال: الجديد والقديم؟). ويمضي آخر في اتجاه مختلف حين يتساءل: (يعني تاني مباريات أبطال أوروبا حتكون الساعة التاسعة؟)، وكأنه يتبنى ساعتها المثل السوداني القائل: (الزول بونسوا غرضه).
ستعود الساعة السودانية إلى توقيتها القديم ومع عودتها فإنها ستطرح أمامها السؤال الحائر: ما الغرض الذي تريده الحكومة ومجلس وزرائها من الزمن الجديد؟ مؤكد فإن الاستفهام يسحب معه استفهاماً آخر يتعلق بالطريقة التي سيتعامل بها المواطنون مع عملية جر الساعة التي تنتوي الحكومة القيام بها، وفي كل الأحوال فإن عملية الإنتاج زيادتها وانخفاضها تبقى هي الحاضر الغائب في هذا الجدل، الذي يظن الكثيرون أنه مجرد محاولة إلهاء لن تقدم ولن تؤخر في أمر التراجع العام شيئاً.

شاهد أيضاً

سمير غانم: “عندنا في مصر عيد الحب .. وفي السودان عيد الهُب”

أشاد نجم الكوميديا الفنان سمير غانم، بمناسبة عيد الحب العالمي، مطالبًا أن يعم الحب على …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five × 4 =