الرئيسية / رأي / غربة و وهم

غربة و وهم

لم أنسى تلك النظرة التى قنصتني بها أمي حينما حملت حقائبي متجهً الى المطار حاملاً معي كل ذكريات الطفولة والصبا، تاركاً خلفي أمي التي كانت مثال للمرأة الصابرة المثابرة في مجتمع يكاد ينحصر تماماً على نفسه بسبب الفقر وضيق المعيشة والضنك الذي ساد البلاد..
اغترابي لم يكن قرار فردي بل قرار مجتمع بأكمله حيث لا تخلو أسرة في الوطن الاّ ولها شخص أو شخصين تنازلا عن وجودهما مع الأسرة لبنائها وضمان توفير بيئة آمنة لها.. من مأكل ومشرب ومبلس ودواء وووووووو هلم جرا…
فبداية قصتي كبداية اي مواطن تخرج من الجامعة.. حاملاً شهادتي في يدي وفي عقلي احلام وطموحات كثيرة جعلتني اتعب كثيراً في بداية مشواري فأنا خريج آداب تخصص أدب فرنسي حيث لا يوجد أي مجال في هذه البلاد للعمل بشهادتي الاّ في السفارات أو في المدارس الخاصة وحتى لو كان ذلك فالراتب الذي يصرف لايكفي ثلاث أشخاص من الأسرة، عملت في جميع المجالات.. سائق أجرة ومعلم فلافل في أحدى الفنادق ومستقبل للزوار والسياح كما عملت مدرس خصوصي وبعد ذلك لا أجد ما يكفي حاجتي انا والأسرة مما جعلني انا وكثير من الشباب نعزف عن الزواج فعمري قارب الثلاث وثلاثين ولم أجد نصفي الآخر وشريكة حياتي التي تقدر ظروف الحياة الصعبة اولاً وظروفي ثانياً فالزوج في بلدنا اصبح مثال للصفقات الكبيرة التي تتم بين الأغنياء واصحاب الفخامة والطبقات العالية لايوجد فتاة الا وتحلم بزواج كزواج صديقتها الذي دفع لها مهر كذا وشيلة كذا وكأنني استرد ما صرف عليها وهي لم تلد ولو تطرقنا لهذا الموضوع لرفعت الصحف وجفت الأقلام مأساة إنسانية للجميع… مرت الأيام وانا كما انا لا يكفي الدخل حوائجي.. وحتى الأحلام اصبحت تتلاشى من عقلي شيئاً فشيئاً .. حتى ذلك اليوم وانا جالساً في مجال عملي حينما دخل الفندق رجلاً من الطبقة الاستقراطية كان يتحدث معي عن البلد والشباب والرياضة والجامعات تحدثنا كثيراً بل اصبحت له الصديق المقرب وما جعله يثق بي أكثر حينما اعطاني إكرامية باهظة الثمن رفضتها منه فنحن لا نأخذ جزاء صداقتنا مال. نشأت بيننا مودة لدرجة أنه زارني في المنزل حينما كنت مريضاً مرت الأيام وسافر الصديق الطيب وحدث صدام عنيف بيني وبين صاحب العمل وطردت من العمل واغلقت نوافذ العمل من جميع الاتجاهات وبعدما كنت الرجل الراقي صاحب البرستيج اصحبت من زوار القهاوي والحانات واصدقاء السوء مرت شهور وانا على هذا الحال لا املك سوى اصدقاء السوء وكأس الخمر حتى تذكرت صديقي القديم واتصلت به رحب بي بطريقة ذهلت بها وقال لي كنت ابحث عنك حينما رجعت الى بلدكم وسألت عنك كل الناس ولم يدلني احداً عليك ومع العلم ان حقد صاحب العمل دفعه بأن لا يدلي على مكاني..
وبعد شهيق طويل حكيت ما حدث لي مع المدير السابق واني لا اعمل ، طلب مني ان ارسال مبلغ بسيط ليساعدني به رفضت المبدأ تماماً لأني لا أحب مال الصدقة بل اريد العمل وشاءت الأقدار وارسل لي استقدام للأحدى شركاته وان اكون على كفالته…
وسبحان مغير الأحوال ومسخر الأمور تيسر الأمر بطريقة جيدة للغاية وكانت دعوة أمي الحافز الاساسي لفتح الابواب المغلقة…
بدأت حياتي تسير وتجددت الأحلام من حولي سأخرج من الجب الذي أسقطنا فيه الحكام والسياسيين والتجار والمحتكرين.. وجاء يوم الثلاثاء 29 اغسطس 1990 حاملاً مع قلادة اهدتني اياها حبيبتي الذي عجز الزمن ليجمعنا ومصحف ودموع امي التي سرقت ملامح الفرحة من وجهها وكانت تقول لي (أخاف يوماً ترحل فيه وارحل بعدك وتجد منزلي خالي ) كانت كلمات أمي تدخل صميم القلب لتقطع انياطه من الحنين.. أمي وباقي الدنيا ظلام كنت ابكي مثل الطفل بين يديها وهي تضحك والجبين احترق من الحزن والفقر وهي تقول لي ان الفقر لايزعجني ما دمنا سوياً .كان يوماً مأساوي جداً فوداع الأهل اصعب من اي شيء آخر…
تحركت الطائرة للبلاد لم نكن بالغيها الاّ بشق الانفس وحوالي ساعتين ونصف نحن بالجو نحلق لا اتذكر شيئاً سوى عائلتي ووالدي رحمة الله عليه كنت ابكي بحرقة لدرجة انني تمنيت لو ترجع بي الطائرة لا ادري ماحدث .. هي الأحلام تكون جميلة وهي معلقة في الذهن ولكن حينما تتحقق تكسرنا..
ووصلت الى ارض المهجر كان بانتظاري مدير شؤون الموظفين للشركة ومعه بعض الأخوة الاشقاء العرب من جنسيات عربية لكي يرحبوا بي .. كانت اموري في غاية السلاسة والبساطة توفر لي عمل وسكن وسيارة وكل شيء على مايرام بدأت رحلتي مع الغربة .. دوام ونوم واكل وغسيل وطبخ وهكذا استمر بي ذلك الروتين سنتين ولم ينقطع تفكيري عن احد في البلد حتى الحمام الزاجل الذي ربيته كنت اسأل عنه .مرت السنوات متتابعة وانا مازلت اقاوم ذكرياتي الجميلة واشغل نفسي بالعمل الإضافي لزيادة الدخل ولكن ما لم اضعه في اجندة ايامي هو خبر وفاة امي… حينما اتصلت بي اختي في وقت متأخر من الليل وليس من عادتها ان تقول لي اترك كل شيء خلفك واحضر فوالدتك في غاية المرض لم افكر كثيراً فانا لي عدة اجازات
لم استغلها او استفيد منها هرعت لمدير الشركة من الصباح الباكر لأخبره فصدق لي بإجازة لمدة شهر تبدأ من بعد اسبوع بدأ الاسبوع يمضي كأنه قرن حتي وصلت الى المطار فجر الجمعة وما احزنني لم اجد امي تقف من بين المستقبلين لي. امسكني زوج اختي ولأنه يعلم مدى تعلقي بأمي لم يخبرني بحقيقة ما حدث حينما سألته اين ماما لم يتفوه بكلمة واحدة تسكت الوسواس في قلبي كل ماقاله وحد الله .. لا ادري كيف خرجت من المطار وانا يتسارع نبضي كلما أقتربنا من المنزل والأغرب من ذلك والله اني حينما وصلت الى المنزل شممت رائحة امي الزكية فهي كانت تخلط (المسك مع الرفدور ) رائحة معلقة في ذهني حتى الممات وصلت الى المنزل وو جدت المعزين حولي لا اعلم ما حدث لي شريط حياتي كله رجع بي كأحدهم فقد الذكرى واستردها فجأة رجع بضحكة امي وقسوتها وحنيتها وروحها بل كلما اغمض عيني احس يداها تمسك بي طبق الحزن على انفاسي ولم اتحمل كان الفراق الأبدي هو القدر الذي لم احسب له حساب تمالكت نفسي واصبحت بين ضدين كلهما اصعب من الأخر هل ارجع البلد لكي اراعي اخواتي ام ارجع الى عملي لكي لا احوجهم لغيري فانا مما عملت والحمدلله حياتنا تيسرت واكملت بناء المنزل ولكن ينقصهم الكثير فمازلت اختي الصغرى في كلية الطب واخي في كلية الآداب وانا لي الله ولكن وجود رجال مثل رجال اخواتي يجعلني اسافر وانا مطمئن البال شارفت الاجازة على الإنتهاء فباقي يومين او اكثر والكل كان يخبئ عني خبر اخر وهو زواج حبيبتي من صديقي.. تفاجأت حينما حضرت لتعزيني في وفاة امي وهي حامل في شهرها السابع صدمت ولم ابدي اي ردة فعل فيكفي فراق امي التي كانت كل الأحبة…..

ترقبوا باقي القصة في العدد القادم
الكاتبة:هويدا حسين احمد

شاهد أيضاً

إشراقات حول معسكر الهلال بالقاهرة

اولا نهنئ مجلس أداره الهلال بهذا الاختيار الموفق القامه المعسكر الإعدادي لتوفر كل معينات المعسكرات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *