الرئيسية / حوارات / رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير : المعارضة ظاهرة صوتية.. “فالحة” في الشعارات وتوقيع المواثيق

رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير : المعارضة ظاهرة صوتية.. “فالحة” في الشعارات وتوقيع المواثيق

** لا أحد بإمكانه التنبؤ بما يمكن أن يحدث في مستقبل البلاد، الغد مفتوح على احتمالات متعددة، يقول محدثنا في هذه المقابلة إنه كلما اتسعت العبارة ضاقت الرؤية.
لا يستنكف رئيس تحالف نداء السودان بالداخل من التأكيد على أن المعارضة الآن صارت مجرد حالة صوتية، بل يقول بجرأة غير معتادة من المعارضين، إن تحالفات المعارضة المختلفة منها ما قضى نحبه منها وما ينتظر، وأنها لم تفلح في شيء مثل فلاحها في توقيع المواثيق وصياغة الشعارات.
الرئيس المنتخب لحزب المؤتمر السوداني المعارض يؤكد على انسداد الأفق في البلاد، وهو لا ينسى أن يحمل المؤتمر الوطني الحاكم مسؤوليته المضاعفة فيما يحدث، فهو هنا يستخدم ذات توصيفات المعارضة التي تداخل بين (البؤس والانفراد في اتخاذ القرار عبر رافعة القهر)، لكنه سرعان ما يعود ليقول إبانه في نهاية المطاف سينتصر (أرخميدس) الذي يعني عنده (الشعب السوداني).
في حواره مع (اليوم التالي) يقلب الباشمهندس عمر يوسف الدقير أوراق الراهن السياسي في المعارضة وفي السلطة ولا يتجاوز الرد على رئيس هيئة تحالف الإجماع الوطني فاروق أبو عيسى الذي قال إن التحالف مع نداء السودان أصابه بالمرض حين يقول إن المشكلات التي تواجه أبوعيسى في التعاطي مع مكونات الإجماع المتباينة هي التي أثرت على صحته.
وفي ما يتعلق بالموقف من انتخابات 2020 فإن رئيس حزب المؤتمر السوداني يؤكد على أن أمرها لم يحسم بعد، وتظل الخيارات مفتوحة على المشاركة أو المقاطعة بحسب مسارات الفعل السياسي مستقبلاً. ويعلق على دعوة مالك عقار للمشاركة بالقول: (انتظار انتخابات الإنقاذ يعني انتظار الذي يأتي ولا يأتي كما في مسرحية صمويل بيكيت “في انتظار جودو”)، وتعني أيضاً تجميد الحاضر والتفريط في المستقبل)، وبالطبع يرفض حزب المؤتمر السوداني عبر لسان رئيسه تجاوز الدستور بالتجديد للرئيس البشير لدورة انتخابية جديدة.
فيما يلي نص الحوار:
*يبدو المشهد السياسي الراهن ضبابياً للحد البعيد؟
أوافقك الرأي إن كنت تقصد حالة الإنسداد السياسي التي تعيشها بلادنا.. لقد بلغت تلك الحالة درجةً جعلت مقولة الإمام النفري الشهيرة “كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة” مقلوبة.. فقد اتسعت العبارات وصارت تتدفق من أفواه الجميع كسيلٍ جارف، بينما تستدعيه الرؤية من أفعال ومواقف أقل بكثير ممَّا هو مطلوب لمقابلة تحدي تغيير الواقع، ومِمَّا هو مطلوب لمواجهة عواصفه والتعامل مع تداعياتها الراهنة والمستقبلية.
*تتحمل المعارضة دورا كبيرا في هذا الانسداد السياسي لعدم بلورة رؤية كاملة لما يحدث وتوضيح خط المسار نحو المستقبل؟
النظام هو المسؤول الأول عن حالة الانسداد، لأنه اختزل الوطن في نفسه ونَصَّب حزبه ممثلاً وحيداً للشعب السوداني بعد أن أحكم الخناق، عبر أدوات القهر، على كل وسائل التعبير والتنوير – مع ترك هامشٍ محدودٍ لمجرد التنفيس عن البخار حتى لا يحدث الانفجار – وأقصى الآخرين عن المشاركة في مخاطبة قضايا الوطن وراح يتعاطى معها بانفرادية بائسة عبر سياساتٍ انتهت إلى فشلٍ بائنٍ في كل فضاءات الواقع، وها هي السبل تنسدُّ أمامه أو هي على وشك الانسداد الكامل.
*وماذا عن المعارضة؟
أمَّا بالنسبة للمعارضة، فأعتقد أن الأمر يتعلق بضعف فعالية الحراك الزاحف نحو إنجاز التغيير أكثر منه بغياب الرؤية، فتحالفات المعارضة المختلفة – ما قضى نحبه منها وما ينتظر – لم تفلح في شيء كفلاحها في توقيع المواثيق وصياغة الشعارات التي ضمنتها رؤاها لمخاطبة الأزمة الوطنية.. كل مواثيق المعارضة تتحدث عن وطنٍ يسع الجميع والعمل على إنهاء دولة الحزب لمصلحة دولة الشعب، وتوافقت على سياساتٍ بديلة، وكل مواثيق المعارضة وشعاراتها تعتمد الحراك الجماهيري وأساليب المقاومة السلمية سبيلاً للتغيير، لكن فعالية العمل الجماهيري ظلت دون المستوى المطلوب وانحبست أغلب قوى المعارضة في خانة القول لتوصيف رداءة الواقع، بينما الفعل ممنوع من الصرف.. صحيح أن آلة النظام – الممثلة في ترسانة القوانين القمعية – تقف عائقاً أمام تفعيل الحراك الجماهيري، لكنها لن تصمد لو واجهتها المعارضة بجبهة عريضة موحدة. والتاريخ يحدثنا أن الاستبداد مهما تعاظم جبروته فإنه يتداعى، ولن يكون بمقدوره تغيير مسار بعوضة تّطِنُّ حول صِدْغَيْهِ، عندما تأزف لحظة الاختبار الحقيقي وينهض ضحاياه لمواجهته عبر جبهة موحدة وموجة حراك شاملة ومتماسكة.. ولذلك يبقى الواجب المطروح أمام قوى المعارضة هو مفارقة حالة التشرذم وبناء هذه الجبهة من كل قوى التغيير المبثوثة في التشكيل السياسي والاجتماعي في البلاد.
*قال رئيس هيئة تحالف الإجماع الوطني إن التحالف مع قوى نداء السودان سبب له المرض.. ما تعليقك؟
العلاقة بين نداء السودان وقوى الإجماع مرَّت بمنعطفات صعبة انتهت بفضِّها بطريقة الأمر الواقع، بينما اختارت قوى مؤثرة من الإجماع الاستمرار في النداء.. أعتقد أن التعبير الحانق الذي أطلقه الأستاذ أبوعيسى هو تعبير مجازي يعبر عن الصعوبات التي واجهته كرئيس للهيئة العامة لقوى الإجماع، التي لم تعرف الإجماع حول علاقتها بنداء السودان، فمنذ أن مهر أبوعيسى توقيعه على ميثاق نداء السودان – إنابةً عن قوى الإجماع – واجهته تحفظات واعتراضات من بعض أحزاب الإجماع، وظلت هناك حالة من الإرباك والتناقض داخل الإجماع كلما طُرح موضوع له علاقة بنداء السودان أو المشاركة في فعالياته، حيث كان يتم إنفاق الساعات الطوال في اجتماعات دون الوصول لتوافق، ولم تكن هذه الحالة مرهقة لأبي عيسى وحده وإنما للجميع.. عموماً نتمنى تمام العافية، عضوياً ومعنوياً، للسيد أبو عيسى وللمتحالفَيْن معه كذلك.
*أين يقف المؤتمر السوداني الآن؟
المؤتمر السوداني يقف على قيد الضمير الوطني.. هو في خندق المقاومة يواجه عواصف السياسات الإنقاذية بما ملكت يداه من وسائل المقاومة السلمية ويدفع الثمن – مع كثيرين غيره – سجناً وملاحقات ومحاكمات، ورغم ذلك لن يخلع المؤتمر السوداني ضميره الوطني كحذاءٍ ضيق.. سيستمر في بذل كل ما في وسعه للمساهمة في إنجاز التغيير ويمدُّ يده للجميع من أجل الوصول لهذا الهدف .
*حتى الآن لم تحسموا قضية المشاركة في انتخابات 2020 من عدمها؟
معلومٌ أن المؤتمر السوداني لديه تجربة مشاركة في انتخابات 2010 ومقاطعة في الانتخابات الأخيرة.. هناك خيارات متعددة، داخل الحزب، حول الموقف من انتخابات 2020، وكلٌّ منها له دفوعاته التي تنطلق من حرصٍ على ما يخدم المصلحة الوطنية.. نسعى دائماً لأن تكون قراراتنا بشأن أية قضية مبنيةً على إحاطة بانورامية ومقاربة شاملة لكل أبعاد القضية حتى لا تنطبق علينا الحكاية الهندية – التي تُعَبِّر عن الاختزال أو المقاربات ذات البعد الواحد – وهي حكاية العميان الذين سقطوا على الفيل فوصف كل واحدٍ منهم العضو الذي ارتطم به من جسد الفيل، بينما الحقيقة هي حاصل جمع الأوصاف.. ننظر في موضوع الانتخابات بكل أبعاده وسنصوغ قرارنا حوله بعقلٍ جماعي من خلال الحوار وتلاقح الآراء داخل أروقة الحزب.. ما أؤكده أننا لن نسمح لهذا الموضوع، أو غيره، أن يصرفنا عن القيام بواجبنا الأساسي وهو مواجهة النظام وسياساته عبر وسائل المقاومة السلمية، حتى الآن مؤسسات الحزب لم تقل إنها ستشارك في الانتخابات وبالطبع لم تحسم أمر أن تغادره إلى مكان آخر.
*لكن حليفكم في الحركة الشعبية مالك عقار قدم لكم دعوة للمشاركة.. فما هو ردكم؟
السيد مالك عقار دعا المعارضة لخوض انتخابات 2020 على أن يسبق ذلك خوض معركة في مواجهة النظام لانتزاع مطلوبات حرية الانتخابات ونزاهتها.. وغير السيد عقار، هناك كثيرٌ من المعارضين دعوا لخوض انتخابات 2020 واعتبارها حلقة من حلقات المقاومة في بعدها الميداني.. سنتعاطى مع هذه الدعوة وفقاً للقرار الذي يتخذه الحزب بخصوص هذه الانتخابات.. لكن مرة أخرى أؤكد أن موضوع الانتخابات المقبلة يجب ألَّا يتحول إلى مصدر تخذيل عن واجب المقاومة وألَّا تسمح المعارضة بصرف أنظارها عن أولوية تضافر جهودها لوضع نهاية لعذابات السودانيين في ظل نظام الإنقاذ، ويمكن القول إن انتظار انتخابات الإنقاذ يعني انتظار الذي يأتي ولا يأتي كما في مسرحية صمويل بيكيت (في انتظار جودو)، وتعني أيضاً تجميد الحاضر والتفريط في المستقبل.
*في معادلة صراع رفاق الحركة.. أي التيارات تدعمون؟
لا ندعم تيارا في مواجهة تيار، فما حدث هو شأن داخلي يخص منسوبي الحركة ولكنه بالطبع يهم كل قوى التغيير.. لدينا تواصل مع الطرفين وحريصون على حضورهما الفاعل في ساحة التغيير ومساهمتهما في إنجازه، ونؤمن بأن اعضاء وقيادات الحركة الشعبية يمتلكون رؤية تمكنهم من معالجة مشاكلهم.
* لكن ثمة من يقول إن الأزمة في المعارضة أكثر مما هي في السلطة التي تقاومها؟
لا ننكر أن هناك أزمة في المعارضة تتجسد بشكل أساسي في حالة التشظي التي تعيشها، لكن ما تزال هناك فرصة للاستدراك وجهود تبذل لتجاوز هذه الحالة.. لكن أزمة السلطة تتبدى بشكل ساطع وفاضح في الأزمة الوطنية الشاملة التي تمسك بخناق البلاد.. أعتقد أن السلطة الحاكمة تعيش حالة ضعفٍ وتآكل داخلي والآفاق أمامها مسدودة، رغم خطابها الذي يفيد بغير ذلك، ومعلوم أن أسوأ ما في الضعف هو خداع الذات بحيث لا ترى غير ما تريد ولا تسمع غير صدى صوتها، لكن تبقى المعادلة واضحة منذ أول سطرٍ في هذا الصراع، ويبقى النصر حليف “أرخميدس السوداني” الباحث عن الحرية ليقول وجدتها”.
*لكن أرخميدس السوداني يبدو وحيداً في المعركة؟
القول بأن هناك مشكلا في عملية الأداء المعارض لا يعني بالضرورة أن هناك حالة اغتراب بين المعارضة والشعب، فما تزال قوى المعارضة ورغم كل ما يعتريها تقف مع الشعب في صف واحد من أجل تحقيق غاية الخلاص.
* بدت الأصوات المطالبة بالمشاركة في الانتخابات أعلى من تلك التي تقاطعها تحت منطق أن من يريد التحول الديمقراطي يجب أن يعبر إليه عبر الصناديق؟
هذا منطق نظام الإنقاذ واللافتة التي ظل يرفعها في وجه معارضيه، بينما هو يستبيح الدولة بحزبه ويصادر الحقوق اللازمة لقيام انتخابات حرة ونزيهة، وأعتقد أن كل ذلك ليس غائباً عن المعارضين الذين يدعون لخوض الانتخابات القادمة، لكنهم يرون أنها من الممكن أن تتحول إلى معركة من معارك المقاومة.
*وجودكم في تحالف نداء السودان يدعم استمرارية الحرب ويناقض الرغبة في إيقاف الحرب؟
على العكس تماماً، أهم الأهداف لدى نداء السودان هي إيقاف الحرب وإغاثة منكوبيها عبر الوصول لاتفاق وقف العدائيات ثم سد الطريق أمام عودة الحرب بمخاطبة جذورها ومسبباتها ومعالجتها عبر بوابة الحل الشامل لكل قضايا الأزمة الوطنية .
*لأي مدى يمكن للمعارضة الاستفادة من التباينات بين مكونات الحزب الحاكم “نموذج هلال”؟
التباينات والتناقضات داخل النظام وتآكل جسده تصب في اتجاه التعجيل بالتغيير، والمطلوب من المعارضة أن تشدد الضغط عليه وتسدد الضربة القاضية عبر العمل الجماهيري .
* بدأتم بـ”مشروع هذه الأرض لنا” و”الآن مبادرة حقنا كامل”.. هل هذا اعتراف بفشل استراتيجيات المواجهة السابقة وإعادة النظر في أسلوب المعارضة؟
حملة “هذه الأرض لنا” لم تكن البداية، وإنما مواصلة لاستراتيجية المؤتمر السوداني السلمية في مواجهة سياسات النظام الخاطئة.. سنستمر في العمل مع الجماهير والمساهمة في تحويل مصطلح المقاومة إلى ثقافة شاملة وصولاً للتغيير.
* تحركتم في مقاومة قانون الصحافة فكيف سيتم تعاملكم مع تسريبات التعديلات الدستورية في ما يتعلق بإعادة ترشيح الرئيس البشير؟
نظام الإنقاذ جُبِل على عدم احترام الدساتير التي يكتبها بنفسه، فهو نظام شمولي وسلطوي بإطلاقٍ لا يُقَيِّده دستور ولا قانون.. التعديلات التي يجري تداولها بخصوص قانون الصحافة وتمديد عدد فترات الرئاسة تدخل في إطار التلاعب بالدستور وانتهاك حرمته، وكل ذلك مرفوض لدينا ضمن رفضنا لبنية النظام الاستبدادية بأكملها وسعينا لمقاومته وتخليص وطننا منه .
*لكن تظل المعارضة في كل أحوالها رهينة الإجابة على سؤال: كيف تحقيق ذلك؟
بالرهان على الشعب نفسه يمكننا تحقيق ذلك بالاستناد إلى الإرث التاريخي لهذه الأمة في مقاومتها للديكتاتوريات وبالنظر إلى ضرورة خلق حالة من التوافق على أسس ما يجري في الراهن، وضرورة توظيفه لتحقيق غايات المستقبل، ونحن نمضي نحو عام جديد أتمناه عاماً للخلاص من وطأة نظام الإنقاذ على صدور شعبنا.. أتمناه عاماً يودع فيه وطننا، للأبد، متوالية العجز والفشل.. أمنيتي أن تتوحد إرادة السودانيين لنبني وطناً يحلِّق بجناحي الحرية والعدالة ويعمُّه السلام، ويتفجَّر إبداع أبنائه وبناته في كلِّ الحقول لاستثمار مقومات النهوض الهاجعة التي يعجُّ بها واقعنا الفريد.

شاهد أيضاً

مريم تكس- قضية دارفور لن تحل بجمع السلاح الإدارات الأهلية فاقمت مشاكل الإقليم

بدأت نشاطها السياسي منذ أن كان عمرها عشرة أعوام، جلب لها الدفاع عن حقوق الإنسان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 4 =