أخبار عاجلة
الرئيسية / رأي / هل تنقذ رئاسة القمة العربية الأفريقية وحدة السودان؟

هل تنقذ رئاسة القمة العربية الأفريقية وحدة السودان؟

الملاحظة الفارقة هي أن القمة العربية الأفريقية قد حققت نجاحًا تحسدها عليه القمة العربية، ولهذا الفارق الهائل بين تهافت القمة العربية ونجاح القمة العربية الأفريقية أسباب جوهرية.

أولها أن صلابة القيادات الأفريقية أشد بمراحل من إرادات القيادات العربية، وكان ذلك واضحًا عندما استسلمت المنطقة العربية لعقوبات مجلس الأمن الظالمة ضد ليبيا في قضية لوكربي، بينما تجاسر رؤساء دول أفريقية على كسر الحصار الجوي المفروض على ليبيا رغم أنف مجلس الأمن والولايات المتحدة.

والسبب الثاني هو أن الموقف الأفريقي لا يزال مسنودًا بالاستثمارات السياسية والمادية والثقافية الليبية التي أسرعت بشغل الساحة بعد انسحاب مصر عقب إبرام اتفاقية السلام مع إسرائيل، فتسابقت إسرائيل في ركاب واشنطن مع ليبيا وإيران وفرنسا ثم الصين على تسجيل وجودها المتعدد الجوانب في القارة الأفريقية.

معنى ذلك أن ليبيا وإيران في أفريقيا يمكن أن يفعلا شيئًا مقابل الدور الإسرائيلي الذي تمكن من نقل مخططاته ضد العرب إلى قلب مصالحهم في عمق القارة الأفريقية، وهو ما لوحظ بحدة في مخطط تفتيت السودان بدءًا بانفصال الجنوب، وفي أزمة مصر في مياه النيل فضلاً عما يلحق بمصر من أضرار بسبب تفتيت السودان.

أما السبب الثالث فهو موضوع القمتين، وهذا أمر حاسم، لأن القمة العربية كان مطلوبًا منها أن تحدد أسلوب التعامل مع إسرائيل والولايات المتحدة بعد أن ثبت لكل ذي عينين أن نتنياهو يريد كل فلسطين عن طريق الاستيطان وأن واشنطن “متفهمة” لطموحاته ومعجبة بها وتعينه على تحقيقها رغم أن نتنياهو يبدو في الظاهر وقد أحبط آمال أوباما في تحقيق سلام لم يستطعه الأوائل، وهو أول من يجب أن يدرك أن السلام للقوي الصهيوني صاحب المشروع والرؤية والموت للتراجع العربي المزري أمام هذا المشروع.

وبدلاً من أن تقف القمة لتراجع ملف الصراع وتتخذ ما يلزم من مواقف وقرارات فإنها استمرت في التراجع فأمهلت واشنطن شهرا آخر لعل واشنطن تستطيع أن تقنع نتنياهو بوقف الاستيطان عدة أسابيع حفظًا لماء الوجه، والقمة تعلم قطعًا أن الاستيطان هو أداة المشروع الصهيوني ومن العبث الاعتماد على واشنطن لوقفه، لأن المطلوب إزالة المستوطنات قبل الوقف التام لهذا النشاط المدمر، ولأن إسرائيل تمكنت من نقل موضوع الاستيطان من مرتبة النشاط غير المشروع في أراض محتلة إلى مرتبة القرار السياسي الذي تتفضل به إسرائيل على سبيل التضحية من أجل السلام الأبدي الذي ستضمنه لأبنائها في فلسطين ما دامت تعتبر الاستيطان حقًّا مشروعًا لاسترداد أرض محتلة من جانب الفلسطينيين منذ آلاف السنين.

أما مهمة القمة العربية الأفريقية، فهي البحث عن آفاق للتعاون في مجالات الاستثمار والتنمية بعيدًا عن الصراع العربي الإسرائيلي، ولكن تصدي القمة لحماية وحدة السودان سوف يصطدم مباشرة بالمخطط الأميركي الإسرائيلي ضد وحدة السودان “العربي المسلم” حيث صور هذا المشروع الصراع في السودان منذ البداية حتى منذ الاستعمار البريطاني بأنه صراع الأفارقة ضد العرب (المسلمين) وذلك حتى يكون فصل الجنوب انتصارًا أفريقيا ضد العروبة والإسلام، هذا التقسيم الذي روج له الكتاب الاستعماريون وتلاميذهم في المنطقة العربية والأفريقية ولولا أن أبناء السودان كلهم سود لزعموا أن حركة تحرير السودان تهدف إلى تحرير الرجل الأسود من هيمنة الرجل الأبيض.

وقد اعتبر الرئيس الأميركي السابق جورج أن من منجزاته تحرير جنوب السودان الأفريقي من هيمنة الحكم الإسلامي العربي في الخرطوم باتفاق نيفاشا عام 2005 الذي أطلق يد الحركة الشعبية في العمل من أجل دولة مستقلة في الجنوب من خلال شراكة في الحكم وفي الثروة، بل اعتبر بوش دعم “كفاح” أهل دارفور ضد الخرطوم على أنه كفاح للأفارقة ضد العرب وكفاح المسيحيين ضد المسلمين، رغم أن دارفور كلها من المسلمين.

كذلك يسوق المشروع المشبوه نفسه في أميركا والغرب بأنه يهدف إلى إنصاف المهمشين في السودان ضد حكومة الخرطوم التي تجاهلت حقهم في التنمية رغم أن الفقر كان شاملاً للجميع، وأخيرا روج المشروع لجرائم الخرطوم ضد أبنائها في الجنوب في البداية ثم في دارفور.

هذا المشروع يحركه دافعان الأول أميركي والثاني صهيوني، أما الدافع الأميركي فهو التنافس مع الصين على ثروات السودان في الجنوب والغرب، وربما أرادت واشنطن منع التقارب السوداني الإيراني لمحاربة الدبلوماسية الإيرانية في كل أفريقيا.

أما الدافع الصهيوني المدعوم أميركيًّا أيضا فهو استكمال مشروع تفتيت العالم العربي، ما دام النشاط الأميركي الصهيوني في أفريقيا هو نشاط مكمل وتابع للمخطط في المنطقة العربية.

لقد كان الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي دقيقًا وواضحًا في عرضه لقضية الجنوب فاتهم إسرائيل صراحة بالعمل لفصل الجنوب ولكنه لم ينكر على أهل الجنوب الحق في الوحدة ضمن الجسد السوداني بحريتهم وإرادتهم غير أنه أنكر فكرة تفتيت السودان لأنها ستؤدي إلى تفتيت بقية الدول العربية والأفريقية وتدخل المنطقة كلها في دوامة الصراعات التي لا يمكن تسويتها.

وقد اقترح القذافي حلاً لمشكلة الاتجاه نحو التفتيت وهو الولايات المتحدة الأفريقية، الإطار الجامع الذي يجمع حتى لو تفتت الأوطان الحالية إلى آلاف الوحدات ما دامت تسبح في محيط واحد وترفع مصلحة أفريقية مشتركة.

ورغم طوباوية هذا الحل نظرًا لصعوبة التقاء فتات الأوطان، بينما استعصى على الوحدات الكبرى التجمع في الجسد المقترح، فإن الرجل لم يعترض على حق تقرير المصير لأصغر الوحدات ما دام الاتحاد هو الإطار الجامع للجميع، وهى مناسبة لدفع مشروعه الذي ظل يحلم به سنوات لخير القارة الأفريقية.

والحق أن الإطار العربي الأفريقي معًا يستطيع أن يحافظ على وحدة السودان في ضوء الدواعي التي قدمها المشروع الأميركي لفهم العلاقة بين العرب والأفارقة, لأن العرب والأفارقة حريصون على احترام مبدأ قدسية الحدود الذي أصبح بعد قرن ونصف مبدأ من مبادئ القانون الدولي العام وإن كانت القراءة الخاطئة التي قدمتها محكمة العدل الدولية في قضية كوسوفو تطرح مؤشرات معاكسه تصادم مبدأ الدولة القومية ذات السيادة، عصب العلاقات الدولية والشخص الأساسي من أشخاص القانون الدولي.

ولا شك أن الضغوط على الحكومة السودانية تجعل إرادتها إزاء فصل الجنوب بكل التجاوزات القانونية التي تصاحبه إرادة معيبة مما يدفع المحيط العربي والأفريقي إلى رفض الاعتراف بهذه الوحدة الجديدة التي تشكل بداية المأساة الإقليمية في أفريقيا فضلاً عن احتمالات تجدد الصراع العسكري بين الشمال وكل وحدة تجرؤ على الانفصال بحجة تقرير المصير، بل وداخل كل دولة أفريقية أخرى.

في هذه الحالة يتضامن الأفارقة مع العرب في منع الانفصال، كما يتضامنون في إصلاح العلاقة بين المركز والأقاليم من خلال الدستور الوطني والرعاية المشتركة العربية الأفريقية. ولكن هذه النتيجة تؤدي إلى إفشال المشروع الصهيوني الأميركي في السودان توطئة لاستمرار تفكيك الدول العربية، وهو ما سوف يصطدم مع إسرائيل وأميركا.

وقد أعلنت رئاسة القمة حرصها على حماية وحدة السودان وفق ما قررته القمة المشتركة التي رفضت أيضا موقف المحكمة الجنائية الدولية من الرئيس البشير. فهل تصمد رئاسة القمة أمام المؤامرات الأميركية الصهيونية الصريحة ضد السودان ومن بينها تصور السعي إلى الوقيعة بين العرب والأفارقة وتفريغ قرار القمة حول السودان من مضمونه؟

اعتقد أن رئاسة القمة تتمتع بأرضية صلبة عند الأفارقة وتعبر في نفس الوقت عن توجه عربي مضمر قد لا يقوى الصوت العربي الرسمي على الجهر به في وجه أصحاب المؤامرة، كما أثق أن الإطار العربي الأفريقي يدرك أن العمل من خلال نيفاشا لم يسعف قادة الجنوب مع واشنطن فانتهكوا نيفاشا في أكثر من موضع بعد أن قدموا الأدلة على أنهم تفاوضوا عليها بكل سوء النية.

فحيث أرادت الخرطوم طمأنة الجنوب بقبولها فكرة تقرير المصير والاستفتاء، استغل قادة الجنوب هذا النص لدعم سعيهم السياسي إلى تفتيت السودان، وحيث اشترى البشير سلام الشمال والجنوب باقتسام الثروة والسلطة معهم تفاديا لاستمرار الحرب، أصبحت النتيجة ضياع الثروة واهتزاز السلطة وعودة الصراع من جديد وكأن سنوات الانتقال هدنة مؤقتة.

الخيار الوحيد وسط كل النذر والمخاطر هو ضبط علاقة الشمال والجنوب بأية صيغة لتفادي الانفصال، وضبط علاقات الخرطوم مع دارفور، وإلا انقلب الوسط العربي والأفريقي معًا دفاعًا عن السلام والتنمية والاستقرار وصونًا للعمل العربي الأفريقي المشترك، مهما كانت تحديات المؤامرة, صيانة للقارة مما يتهددها إذا لم يتم ضبط هذا الصمام.

شاهد أيضاً

91259

علي السيد : الحركة الاسلامية تنظيم غير مسجل وتصريحاتها (فضيحة)

هاجم الأمين السياسي للحزب الاتحادي الأصل، علي السيد، الحركة الإسلامية على خلفية اتهامها لأحزاب المعارضة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *