الرئيسية / رأي / عثمان ميرغني-حالة (تسطيح)..

عثمان ميرغني-حالة (تسطيح)..

الدكتور أحمد بلال عثمان وزير الإعلام في تصريحات صحيفة قال: (إنَّ ما تم من اتفاق مع الإدارة الأمريكية ليس انبطاحًا وإنما تفاهم سياسي..).

بحمد الله؛ رغم طول ممارستي للكتابة الصحفية لكني لم أستخدم هذه المفردة (انبطاح) إطلاقًا.. ليس لأنَّها كلمة ممعنة في السفور اللغوي، بل لأنَّها واحدة من (أوهام) العقل السياسي العاطل عن التحديق في عمق المعاني.

في العلاقات الدولية ليس هناك ما يمكن أن يُسمى (انبطاحًا) بالمعنى الفني لهذه الكلمة المتدنية في قاموس اللغة العربية.. فقوام العلاقات السياسية بين الدول مبني على (توازن) لا (اختلال) القوة.. بعبارة أخرى؛ كل دولة تجتهد في تعظيم مكاسب شعبها السياسية والاقتصادية، لكن في حدود (التوازن) الذي يحافظ على السلام والأمان العالمي.

بالتحديد في ملف العلاقات السودانية الأمريكية فليس هناك وجه مقارنة يجعل استيفاء السودان لأي شروط أمريكية هو (انبطاح).. فأمريكا دولة كبرى لا مقارنة بين ثقلها الدولي مع السودان.. وتستطيع أن تمضي في عقوباتها إلى أي مدى زمني دون أن يؤثر ذلك عليها، بينما السودان دولة ضعيفة محدودة القدرة والفعل.

وعندما يستجيب السودان للشروط الأمريكية فهو لا يزيد قوتها ولا يعزز ثقلها ومقدارها الدولي، بعبارة أخرى السودان هنا لا (ينبطح) و لا (ينتطح) فهو بحكم وزنه الدولي ليس قادرًا على الفعل في الاتجاهين السالب أو الموجب، فإنْ (انبطح) فهو لا ينبطح إلاَّ على نفسه، وإنْ انتطح، فلا ينتطح إلاَّ على نفسه.

لكن بكل أسف؛ علاوة على ضعفنا البيّن في كل وجه، نجيد استخدام مفردات توهمنا بأننا أصحاب قدر قابل أن يمنحنا فرصة الاختيار بين المواجهة أو التنازل المُخل، في ما يسمى عند هؤلاء بـ(انبطاح).. هذا محض وهم وتوهم، حالة نفسية تستوجب العلاج.

بكل يقين (استجابة) السودان للشروط الأمريكية المُفضية لقرار تثبيت رفع العقوبات ليست – أقصد الاستجابة- فعلًا امتلك السودان فيه حق الرفض (المواجهة) أو القبول (الانبطاح) كما يسميه البعض.. بل هو واقع إما أن يقبل به السودان ليلتئم مع العالم الذي يعيش معه في كوكب الكرة الأرضية، أو الاستمرار في العزلة والبحث عن كوكب آخر خارج المجموعة الشمسية.

لهذا يحيرني عندما يستخدم وزير الإعلام والناطق الرسمي للدولة المفردة بكامل وعيه ورشده ويتعامل معها، رغم أنَّها أضحوكة لا تُعبِّر إلاَّ عن خلل التفكير السياسي لمن يستخدمها قدحاً أو مدحاً.

الملعب السياسي السوداني يعاني من حالة انحسار الموضوعية بشكل مُفجع.

شاهد أيضاً

الفاتح جبرة -خطبة الجمعة

الحمد لله الُذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة وجعل أمتنا وله الحمد خير أمه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − nine =