الرئيسية / رأي / مضجع أنثى .. الحلقة الخامسة

مضجع أنثى .. الحلقة الخامسة

 

بقلم : الواثق جارالعلم بشرى ..

بلا شك فقدت جميع قواي .. ولكني لم افقد الشعور بجسدي .. لم اكن اسمع شيئا كأنما فقدت اذناي  .. ولكني لم افقد الشعور بدفء جسدي  .. نعم مازال دافئا وهذا يعني انني مازلت حيا لم امت ..

فما اعلمه ان الموت يجعلك باردا لانه يطفىء مشعل الحرارة في الجسد ..

ولكن ان كنت حيا لماذا لم يكتشف الأطباء ذلك ؟؟ وفجأة شعرت بشىء يقبض على راحة يدي اليسرى  .. ملمس اكثر دفء ..وانامل اعرفها تماما .. نعم تلك الانامل اعرفها !! ..اناملها .. انامل فاتنتي المجنونة …

يقولون ان الإنسان له قدرة خفية لايعرفها ولايعلم بمكانها  .. ولا يدركها الا القليل من الناس .. تلك القوة الهائلة ساكنة في اجسادنا وان انكرنا ذلك ولكن لاتتحرك الا بقوة رد فعل معاكس يوازيها في المقياس والمقدار .. فما ان يطلق العقل اشارة رد الفعل للإستغاثة حتى تستيقظ تلك القوة لفعل المستحيلات .. لذلك كثيرا ماترى اشياء او افعال نظن انها خارقة ومنافية للطبيعة فيصعب على العقل ادراكها لانها لا تشابه المنطق فلا يجد لها تفسيرا ولا وصفا سوى ان نقول كلمة مستحيل  .. وكلمة مستحيل هي إعتراف واضح من البشر بعدم قدرة العقل على تقبل ذلك .. لذا كثير من يهتمون بتطوير عقولهم تجدهم يؤمنون بان لا مستحيل تحت الشمس ..

ويبدو ان تلك الأنامل جعلت عقلي يستغيث بتلك القوة الساكنة .. ولا ادري لما ..شعرت برغبة تفوق كل الرغبات في العودة للحياة  وعدم الإستجابة لوهن وضعف الجسد ..

وهنا شهقت .. شهقة قوية .. وشعرت برئتي تمتلىء بالهواء .. واذني تلتقط حركة الناس من جديد .. ويدي تتحرك لتبادل تلك الانامل القبضة بالقبضة ..

وهنا سمعتها .. نعم سمعتها بوضوح تصرخ بفرح وخوف في آن واحد : (انه حي .. انه حي )

بعدها اقبل الاطباء نحوي .. واحدهم يتحسسني قائلا : (انها معجزة )

ربما هي معجزة ان اعود من جديد لهذه الحياة من وجهة نظرهم .. ولكن يبدو لي الأمر مختلفا .. فالأمر عندي هي فرصة اخرى في الحياة لأصحح ما افسدته في حياتي .. ولاعيد صياغة تفكيري وفهمي لما جهلته سابقا ..  او قل درسا عظيما من الموت لأختبر ما يجهله الجميع  حول سكراته ..

بدأت اشعر بالاكسجين النقي يملأ صدري  .. لينظم حركة علو وهبوط صدري .. وهنا استجمعت كل قواي العائدة لأفتح عيناي .. وهذه المرة نجحت وابصرت من جديد .. واول ما رأيت كان فاتنتي المجنونة  وقد امتلأت خدودها الحانية بالدموع .. كانت تقف امامي وهي مقبضة بيدي مرتدية عباءة سوداء .. واضح انها قد ارتدتها على عجل .. رأيت ذلك رغم ان الرؤية عندي لم تكن جيدة فقد كان الضوء قويا والصورة مهزوزة بعض الشىء .. ولكن هذا لم يقف عائقا امام رؤيتها  ..

اغمضت عيني قليلا .. ثم اعدت الكرى وفتحتها من جديد .. وهذه المره رأيت من حولي .. كانت وجوههم مابين الدهشة والسعادة  .. ينظرون الي وكأنني قد اتيت من كوكب آخر ..

نظرت الي فاتنتي وتمنيت لو كنت قادرا على مسح تلك الدموع ولكن خزلتني قواي ..

اقتربت هي اكثر ناحيتي حتى شعرت بشفتيها تلامس اذني ثم همست قائلة ( كنت واثقة انك لن تغادر دون وداعي او قبل ان تأخذني معك ) .. ثم طبعت قبلة حانية على جبيني .. نعم لامست شفتاها رأسي كما لامست نبضات قلبي ودون ان اشعر وجدت نفسي ابتسم .. وابتسم وشيء في دواخلي يقفز سرورا ومحبة .. كل ذلك وانا مازلت اقبض بيدها .. بعدها نسيت اين انا ؟ ومن حولي ؟ بل تناسيت الموت نفسه !! وجعلت عيناي تبصر فاتنتي .. نظرت اليها طويلا وشيئا يشدني من جديد لأن تضمني عليها .. وقادني خيالي بعيدا لأرتشاف خمر سيدتي .. و ..

وفجأة سمعت احدهم يقول : ( هل يمكن ان نقوم بالاستجواب يادكتور)؟

وهنا فقط استدرت برأسي ناحية الصوت فإذا بي ارى شرطيا يقف بجانب الطبيب ويحمل في يده اليمنى دفتر وفي اليسرى قلما ..

وادركت حينها ان الشرطة بلا شك جاءت لتحقق في جريمة القتل التي انا ضحيتها والتي من المفترض ان اكن القتيل فيها .. ووجدت نفسي اتساءل ماذا سأقول ياترى ؟ واين هو الزوج القاتل هل قبضت عليه الشرطة ؟

ونظرت من جديد لفاتنتي .. وكأنما قرأت افكاري .. اقتربت مني مرة اخرى وهمست في اذني قائلة ( ارجوك هو زوج اختي لاتزج به في السجن )

ارجوك هو زوج اختي لا تزج به في السجن …عبارة كانت تحمل أروع مافي الكون من ترجي ولطف .. رغم اني تمنيت ان تطبق الارض بهذا الرجل الذي حاول قتلي الا انني سرعان مابدأت افكر هل ازج به في السجن ؟ ام استجيب لطلبها واصف الامر بمجرد حادث !! وماذا سأستفيد من دخوله السجن ؟ حتما ذلك سيهدم تلك الأسرة الصغيرة !!

استيقظت في داخلي مجموعة من المؤشرات الإنسانية التي تقتل جزيئات الانتقام والغضب .. لتبث في داخلك اروع مايوصف به البشر في مثل هذه المواقف الا وهو السماح ..كيف لا ودائما يقولون اصحاب الخصال النبيلة المسامح كريم … الا اكون كريما  مع تلك الفاتنة التي وجدت نفسي هائما بها حيا وميتا .. إن كان هو قاتلي فهي فاتنتي التي وهبتني الحياة من جديد .. بل هي منقذتي التي اعادتني لرؤية كم هو الكون باهي ببهائها .. ولطيف حينما تسكنه فاتنه مثلها ..

اومأت برأسي لها دلالة على موافقتي التامة بانني لن ازج به في السجن !! ثم التفت الى الشرطي وبدأ الاستجواب الذي اوضحت من خلاله ان الامر كان مجرد حادثة وانه لم يقصد قتلي بل فعل المستخيل لانقاذي ..وووو

كانت اجاباتي دقيقة كأنني تمرنت عليها من قبل .. كنت اجيب على كل اسئلة الشرطي وعيناي لم تفارقها ابدا .. كانت تبتسم لي بين لحظة واخرى وهي تتابع حديثي في دلال لم اشهده قط .. دلال أنثى يستطيع ان ينسيك ما انت عليه .. او قل يبث فيك روح الحياة مثلما يحمل من نقاء السريرة ..كانت تمدني بالقوة كلما ابتسمت وبالشجاعة كلما طرفت بعينها .. وبالوله كلما اقتربت ..

انتهى التحقيق مع الشرطي .. مثلما انتهى تحليل قلبي بأنني اعشق تلك الفاتنة وأحبها بلا شك .. نعم أحبها .. لا أكذب انني كنت مولعا بجسدها وفتنتها فقط من قبل ولكني تأكدت الآن انني احب تلك المجنونة بجنون ووله حد السكر والادمان ..الم تفعل المعجزات لايقاظي ؟؟ كيف لا وقد استجاب لها قلبي وجسدي وروحي .. ورفض ان يستجيب للطب والاطباء ..

بعدها غادر الشرطي .. كما غادر الاطباء بعد استقرار حالتي والاطمئنان على ذلك .. واصبحنا لوحدنا ..

نظرت في عينيها هائما والحب يملأ عيناي ابصارا .. ثم فتحت فمي لاقول ما اصبح واضحا في دواخلي .. ولكنها وضعت اناملها على شفتي قائلة : ( لقد تحدثت كثيرا الى الشرطي .. وفي ذلك ارهاق عليك .. استريح ياعزيزي .. سيكون العمر طويلا لتقول ماتريد )

صمت بعدها ولم اتحدث .. فضلت ان استجيب لهذه الرقة الساحرة .. والاهتمام الدافيء الحاني الذي تملؤني به .. نظرت اليها طويلا .. وفكرت في ان اغمض عيني  ولكن قبل ذلك سمع حركة احدهم قادما .. فالتفت الى مصدر الصوت  فإذا بي اجد شقيقتها قادمة .. زوجة القاتل .. جاءت وعينيها المتسعتين قد ملأتهم الدموع .. وقفت بجانبي وامسكت بيدي وهي تقول : ( انا في اشد الأسف لكل ماحدث لك .. وشاكرة جدا لك على كل ما قلته للشرطي .. انت اصيل وابن بلد ) ثم انخرطت في بكاء حار … حقيقة كانت تبكي وتتأسف كأنها من فعل ذلك  .. لم اشك لحظة في صدقها .. فقد كانت  تكسوها الطيبة والألم لما حدث لي وذلك كان ظاهرا على ملامحها الانثوية الهادئة .. فقلت لها بنصف ابتسامة والتعب قد بلغ اشده 🙁 كان يحاول حماية شقيقتك بلا شك ولم يقصد ذلك .. الامر برمته سوء تفاهم )

نظرت الى فاتنتي وقالت : ( لقد عرفت من شقيقتي كل شيء .. فقط ظلمناك .. إغفر لنا )

هممت بمواساتها .. ولكن مره اخرى وضعت فتنتي اناملها على فمي وقالت آمره هذه المرة ( قلت لك يجب ان تستريح ياعزيزي )

بعدها اغمضت عيناي .. والسرور يملؤني .. فجميل ان يشعر المرء ان هناك من يرعاه ويخاف عليه .. عندها لن يعاند بل سيستجيب لكل ما يؤمر به فبلا شك يصب ذلك في مصلحته ..

وحقا ما ان اغمضت عيناي حتى شعرت فعلا انني قد اجهدت نفسي .. ووجدت سلطان النوم ينتظرني واستجبت له ..استجبت وانا اسأل نفسي .. ياترى كيف سيكون شعوري حينما التقي من اطلق علي الرصاص ؟؟ وكيف سيكون شعوره بعد ان عفوت عنه

 

الى اللقاء في الحلقة السادسة

شاهد أيضاً

الهندي عزالدين-عن تعديلات الحكومة والحزب.. و ثورة (الفيس) !!

لا شك عندي أن مشروع التغيير الذي ابتدره الرئيس “البشير” سيتواصل، بلوغاً لغاياته السياسية الشاملة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two + nineteen =