الرئيسية / رأي / الضحك السكوتي .. الحلقة الرابعة

الضحك السكوتي .. الحلقة الرابعة

بقلم : سعادة اللواء محي الدين محمد علي …

فيلم التنقلات

أبان عملي بالشرطة كانت أخصب سنوات عمري … هي العشرة الأخيرة منها … حيث طافت بي كشوفات التنقلات على عشر مواقع بالتمام والكمال … وكان لكل موقع نكهته وطعمه الخاص … الذي رشفت منه رشف النحل … حتى امتلأت خلايا العقل والمخ مني بالشهد … وما كنت لأرشف لولا ان وشوشني العبير فانتشيت … وساقني الهوى فما أبيت ولاقتناعي بجدوى التنقل واتفاقه مع (فلسفتي) الخاصة في الحياة … والتي تتلخص في ان العمر واحد … وراكب حصان … وربما ميج هذه الأيام … يمضي ولا يتوقف ولا يعود أبداً ولا يتكرر … ولا يتناسخ … ومن الظلم وأده كبنات الجاهلية ودفنه بالحياة في شبر منها… والقلب يمل ويصدأ … ويرترت زي الكربريتر … ويبوظ او يموت … ولا منقذ له من كل ذلك الا التجديد والتغيير … والنظافة المستمرة … فالرسام الشهير الذي رمى به سلطان جائر في جزيرة صغيرة 4 × 4 … ملقاة كفردة الحذاء في عرض المحيط … ومن ظرفه تفضل عليه بما يُقيم الأود وشوية ألوان وفرش لزوم الرسم وظل هذا الرسام على مدى سنوات طوال في منفاه بعيداً عن صخب الحياة وإشكالها … يصاقر منظراً طبيعياً واحداً … يتشكل من الأرض والبحر والسماء وشجرة وحيدة حزينة يرسمها صباحاً ومساء وقيل ثلاث مرات يومياً قبل الأكل … حتى يسقط من الإعياء في أحضان الأحلام … ثم يفيق على طنين باعوضة ويواصل المشوار والتكرار الممل … ولما جاء الناس ليأخذوه من عزلته وجدوه ساهماً غائباً سارحاً مع آخر لوحاته التي تعبر عن نفس المنظر … وكانت لوحة تشبه خطوط الأطفال بالزبط … من ثلاث خطوات مترادفة زي شلوخ الشايقية … خط بني والثاني أزرق والثالث أزرق فاتح بدون بايظ … تقف أمامها دائرة خضراء لها ساق النعام … فقد ظل المنظر الطبيعي بتكراره الممل يتناقص ويتناقص في نفس الرسام كما تتناقص الصابونة لتصبح بروة… وكذلك جاءت اللوحة كما ذكرنا … وبما ان الرجل كان فنانا ً في الأصل فقد حظيت خطوطه بالدراسة واعتبرت ميلاداً لفن الرسم التجريدي … أما اي زول زي حالتنا كده لو ما غير هواء باستمرار وأصابه الملل فسيبدأ بتجريد نفسه ويبقى إنسان مجرد ساكت !!
لقد كانت إدارة المباحث الجنائية المركزية هي الموقع العاشر الذي بذلت فيه أقصى طاقتي الكلامية … فشذبتها وخلصتها من الأفرع اليابسة وهززتها حتى سقط معظم الصفق المصفر ولونت بفرشاتي جزءاً غير يسير من حديقتها الغناء بل ونقلت شتولاًَ منها (بالتصفيح) الى جهات أخرى !! طبعاً الكلام ده … حسب تصوري أنا … لأنه لم يقابلني حتى الآن من يعترف بانه تولى شأناً من الشئون او مرفقاً من المرافق … وكسره وحطمه ومسح به البلاط وحوله من مرفق الى كوع !! غايتو وقبل ان ينتابني الملل او يبدأ التناقص والعد التنازلي في خاطري جاء الفرج وصدر كشفاً بتعديل المواقع بين القيادات متيحاً لي الجولة الحادية عشر في موقع هو بمثابة القلب الذي يضخ الدم في جسد الشرطة وهو بمثابة الجهاز العصبي الذي يتخللها ويعينها على الإحساس والشعور والانفعال !!
ولعلي بهذا لا احتاج لتسمية الموقع الجديد … بل لعلي بهذا أجيب على كثير من التحليلات التي تطوع بها نفر لا علاقة لهم بالشرطة … مصنفين المواقع كمان … ده خطير… ده موقع قرار … وده هامشي … وده مش عارف أيه … وكلام كتير لم أخرج منه الا بفائدة واحدة … إن التنقلات تشكل في حياة الكثيرين من اهل الوظائف بعبعاً مخيفاً … لأسباب شتى… هي من نسج خيالهم وأوهامهم … وقد قدر لي يوماً وأنا في مدينة دنقلا … أن أكون من ضمن مستقبلي أحد الموظفين المنقولين لنا … فنزل من الطائرة … وهو بادي الاضطراب وكأنه نزل في تل أبيب … يقدم خطوة ويؤخر أخرى … ويتهيب الإقدام ومصافحة مستقبلية … واقتربت منه وهدأت من روعه … وأخذت في الطريق أحدثه عن متعة العمل في الأقاليم … ومزاياه … حتى تحدث وقال … يا أخوي أنا عمرى من الخرطوم بحري… ما مشيت أمدرمان … يقوموا ينقولني دنقلا طوالي … ما معقول أبداً … وعاش الرجل معنا وأصبح الما معقول عنده معقولاً … وظل حتى كتابة هذه السطور داقش الخلا طوالي … ويرفض مجرد النقاش في العودة لكرش الفيل !!
فالسودان بلد عامر بالخير … والأدب والفن والثقافة والتاريخ … بل هو جامعة مفتوحة تغني عن كل جامعة يمكننا ان ننهل منها … بس على الطبيعة ومن مصادرها الأم … ولو كنت المسئول لجعلت فرصة الترقي للوظائف القيادية مشروطة بالعمل في أركان السودان الأربع لفترات زمنية لا تقل عن العام … وأن يكتب الموظف تقريراً خاصاً بها يحفظ في ملفه السري تأكيداً للتنفيذ وتفادياً للنقل على الورق … الذي طاف بموجبه الكثيرون كل أنحاء السودان… كمن يحلمون وهم قابعون تحت المكيفات … يتحدثون لغةً خاصة بهم … وإن تحدثت عن الكول أو الجكوسادة … حسبوك تتحدث الألمانية … يجهلون الكثير عن وطنهم والحكمة لا يرغبون في معرفة شيء عنه … وواحد من هذا النوع … المحسوب على الوطن… كان يسأل رجلاً طيباً في شأن من الشئون … وقال له … الجنس والبلد من فضلك… فقال الرجل سوداني… من السودان … فقال السيد المحترم … لا … لا … أنا بقصد المربوع بتاكم … والفاميليا … وفهم الرجل الذكي بالفطرة وعرف أن زوله مسطح ساكت … وقال يا سيادتك أنا من ناس عد الغنم ومن قبيلة بنى هلبة … وهنا انتصب جنا المكيفات واقفاً… وهاج في وجه الرجل الطيب … أنا أعد الغنم أنا شبه الغنم … ما تعدهم أنت ده … أما مسخرة والله … وبعدين بني هلبه دي كمان شنو ؟ نحن في الجاهلية ولا ايه ؟؟ يلا … يلا أطلع بره !!
أمثال هؤلاء يجب حصرهم في كل موقع ونقلهم تأسفياً يعني ينقل فوراً وينفذ أكثر فوراناً وكلما تقدم بطلب لإلغاء نقله … ختم عليه بالختم التاسفي … نأسف نفذ فوراً ولاّ قول لي رافد !!
إن التنقلات في أي بلد … لا تستحق مقالاً … ناهيك عن مقالين … أما في السودان بلد الأمان … فهي تصلح مادة لكتاب … لأن هذا الوطن الممتد في قلب أفريقيا كالمارد المنهك … لكثرة ما جاس في جسده من ثالوث المرض والجهل والفقر … قد ظل في انتظار عياله وهمو كثر … الذين تسلحوا بالعلم والخبرة … لينتشروا في أرجائه حرباً على الثالوث الخطير … بس يا خسارة … خيبوا ظنه … وكنكشوا في صرته … عاصمة الصمود والنقود … لا يطيقون عنها بعاداً … وعاوزين إحضار الثالوث مقبوضاً عليه … ليسحقوه تحت أزير المكيفات … بالكيمائي المزدوج !! والله لو ده رايهم … فليختونا كدا ولا كدا … وسيأتي الله برجال يحبهم ويحبون هذا الوطن وينتصروا له … ويومها لن يعبرهم أحد او يسمح لهم بالرقص على إيقاعات النصر … أصلها يا ولد …إيقاعات جابودي ومردوم وصقرية وكمبلا وحاجات من ده … مش تانقو … وحالم … ويتكسر كمان !!
لست سادياً ولكن قناعتي بضرورة السعي في مناكب الوطن والعمل في كل أرجائه والارتواء من عيونه والاستغراق في أحضانه … جعلتني اتسلى وأسعد كالأطفال … بين جوانحي وأنا أراقب بالكاميرا الخفية انفعالات الذين يجن جنونهم وتمسكهم … أم هلاَّ هلاَّ … إذ ما لاحت في الأفق ارهاصات كشف للتنقلات … يقومون… ويقعون ويهرولون من مكتب لآخر … زي قطر المناورة ويبحثون في مذكراتهم عن تلفونات وعناوين احتفظوا بها لليوم الأسود …ويمكن لاصحابها التأثير على قرارات النقل … ويضربون بلا توقف … فتسمع لهم مكالمات من طرف واحد طبعاً … ولكن كلها ظريفة جداً
هلو أكلم عبده والله ! شالوه … متين الكلام ده … قبال سنتين ؟ قول يا لطيف … شكراً يا أخي …
هلو أكلم ترزينا والله ؟ عرسوها وسافرت كندا مع راجلها … كان الله في عونو … شكراً يا أخت …
هلو أكلم بريدان والله … يا أخي … ما معقول … ما بصدق … يا زول … غايتو شقي الحال بقع في القيد … شكرأ أخوي …
وسيل من المكالمات التلفونية في كل اتجاه وجهجه لا مبرر لها … تثير الضحك والغيظ والرثاء … ولا تفيد فالجاية جاية وكل شيء مقدر ومكتوب … أما الذين ينقلون الناس أنفسهم فمنهم من يتق الله في وطنه وفي مرؤوسيه فلا يضر الوطن والمصلحة العامة … بالشفقة البالغة على مروؤسيه فيدفعهم للتسيب … ولا يقسو عليهم ويقليهم قلياً بسوط المصلحة العامة فيحملهم على الخوف والهرب … كذلك منهم … من يتخذ كشف التنقلات وسيلة للردع والعقاب و (زقل) أعداء سياسته في اقصى الأقاصي … حتى يعرفوا … الله واحد … ولو تبنى كل الرؤساء هذه النظرية … إذن لاجتمع كل اراذل الخدمة والمغضوب عليهم والضالين في مواقع بعينها من السودان … وهي المواقع التي نعلم حاجتها للكفاءات الوطنية الخلاقة ولا تحتاج هماً على همها !!
وقد صاقر أحد الرؤساء واحداً من مرؤوسيه وظل يختاره دون غيره لأماكن نقاوة … حتى طفح به الكيل … ولما أمره بالتحرك الى موقع تردت فيه الظروف الأمنية … بالدرجة التي يصعب معها التكهن بعودته سالماً رفض وعصلج واحتج ولكن الرئيس أصر وألح وخيره بين التنفيذ او التفنيش فأطرق المرؤوس ساعة من الزمن ثم رفع رأسه للرئيس وقال … غايتو أنا ماشي … لو جيتك حي … تودي وشك وين ؟
وذات يوم نقل أحد الزملاء من نمولي الى حلفا القديمة … فحاولت أن أطيب خاطره وقدمت له سيجارة فردها ضاحكاً وقال … يا أخوي أنا لو بدخن … أصل حلفا كيف …؟!
ومن نوادر التنقلات اللطيفة ان مدرساً في بقعة نائية من الوطن جاءته برقية عاجلة بتنفيذ النقل فوراً الى أمريكا … فنطط من الفرح … وجاء الى الخرطوم جاهزاً وبيده كل الأوراق الثبوتية وذهب للوزارة لاستلام التذاكر وإكمال الإجراءات … فضحك الوكيل حتى استلقى على قفاه وبرزت نواجزه كما لم تبرز من قبل … ثم اعتدل في جلسته ووضع النظارة على أرنبة أنفه ومال على المدرس المسكين وقال … تذاكر شنو يا أخوي ؟؟ أنت نقلوك أم ريكا … مش أمريكا !!
وهي كطرفة المعلم المصري الذي جاء نيالا بدارفور معاراً … وأسرع بالإطلاع على كشف التنقلات الداخلي … وكانت الطباعة باهتة ورديئة … ولما رأى موقعه بهت وتجهم واقتحم مكتب المسئول التربوي وقال … شف يا عم أنا موش حامشي الضبعين … ليه هو ضبع واحد موش كفاية ؟! فقال المسئول التربوي … بلاش يا سيدي الضعين … نوديك تورطعان … لو ما داير … نوديك أضان الحمار !!
فاستشاظ المصري وقال .. تور مين ؟ وحمار مين يا عم ؟ رجعوني بلدي انا عاوز بلدي والسلام ولا يفوتني في الختام أن أهدي الفيلم لأهلي في الفردوس .. أضان الحمار .. سابقاً ولابنها الصديق عيسى جبريل أبو ناقة

شاهد أيضاً

الهندي عزالدين-عن تعديلات الحكومة والحزب.. و ثورة (الفيس) !!

لا شك عندي أن مشروع التغيير الذي ابتدره الرئيس “البشير” سيتواصل، بلوغاً لغاياته السياسية الشاملة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + fourteen =