الرئيسية / رأي / مضجع أنثى .. الحلقة الثانية

مضجع أنثى .. الحلقة الثانية

بقلم : الواثق جارالعلم

استنشقت عطرها واصبحت جزء من المسك والعنبر الدافىء واكثر تلائما مع نفحات العود .. وجال بخاطري الف سؤال وهي تستكين على صدري وأنا أعيد مجريات الأحداث منذ لقائي الأول بها

كنت في طريقي الى التسوق في مدينة دبي السياحية .. وتوقفت في أحد المولات الضخمة بغرض شراء بعض الاحتياجات التى احتاجها خلال فترة اقامتي .. وبينما انا اتجول بحثا عن اغراضي .. فوجئت بطفلة صغيرة تصرخ باسم والدتها وبكاء حارا تحكيه عشرات الدموع البريئة .. هرعت لمكان الطفلة وسألتها أين اضاعة والدتها ؟ ردت علي الطفله وهي مازالت تبكي انها قد اضاعت والدتها وخالتها في جناح الملابس النسائية .. هدأت من روعها وحملتها  وانا احاول ازالة توترها بطمأنتها بأنني بلاشك سأجمعها بوالدتها .. وهذا ماحدث بعد أقل من عشرة دقائق وانا اتجول في المول صاحت الطفلة بفرح شديد وهي تشير على أنثى فائقة الجمال قائلة :  هذه خالتي  

نعم .. كان هذا هو لقائي الاول بها .. اعطيتها الطفله ودهشتي بجمالها لاتخفى على كل الحاضرين  .. ابتسمت حينها شاكرة وقالت لي لابد ان تأتي معنا لشقيقتي التي بلا شك ستود شكرك على ذلك .. بعدها التقيت بوالدة الطفله التي يعلو جمالها الوقار وسواد كاحل حول عينيها المتسعتين لم تستطع العدسات اخفاءه وكانت فرحتها واضحة بلقاء ابنتها .. التفت ناحيتي  مبتسمة ونظرة فاحصة شعرت بها قد طالتني من رأسي الى قدماي اردفت بعدها قائلة : نحن بصدد شرب قهوة تركية ان كان ليس مانع لديك نسعد بانضمامك لنا … ودون تردد قبلت الدعوة .. وجلست معهم اكثر من ساعه تحدثنا فيها عن مختلف الامور بما فيها اوجه الاختلاف بين طبائع الناس في وطننا العربي .. ساعه من المرح والاستلطاف .. ولكن بلا شك استلطاف من ترقد على صدري الآن  … أعدت كل ذلك في لحظات  ومازالت مجموعه من الاسئلة تطرأ خلف كل تذكر لأنني لم اعرف الكثير عنها حتى الآن .. وكأنما قرأت ذلك فقد قطعت علي استرسالي في التذكر بسؤال مفاجىء حينما قالت : فيما تفكر ياعزيزي ؟

قلت : افكر ياعزيزتي في لقائي بك

ضحكت قائلة : وهل هذا اكثر اهمية من وجودي في احضانك ياعزيزي

هممت بالرد ولكن حدث مالم يكن في الحسبان ولم افكر فيه قط حيث سمعت فجأه باب الشقه يفتح وطفله صغيرة تأتي راكضة نحونا تبشر بقدومهم ..

قفزت هي من صدري وكل معالم الحوف تعتلي وجهها  

اما انا ففضلت ان تبلعني الأرض قبل ان اشاهد القادم

نعم تمنيت حينها ان تبتلعني الأرض قبل رؤية القادم ولكن ليس لوحدي بل هي معي فأنا لا اود ان افتقدها ابدا مهما كان ما سيطولني بعد ذلك .. ولكن هل تستجيب الأرض لذلك ؟ حتما لا فلن تغمرك بترابها حتى يضعك الناس داخلها ميتا .. بلا شك قد فقدت بوصلة تفكيري وقدرتي على التصرف .. رفعت بصري ناحيتها عسى ولعل ان تنجدني بما افعل .. ولكن وجدتها هي ايضا الحيرة تكسوها .. فقد تدلى فكها عجزا عن الكلام واعتلى وجهها تعبيرا وحيد ان القادم اسوأ .. مما جعلني بعد رؤية ذلك الا استبشر خيرا …

دخلت علينا الطفله وهي تقفز فرحه حامله في يدها شنطة صغيرة وضعتها على المنضدة ومن ثم اقبلت نحوي وهي تقول ( انت من انقذني من الضياع ) .. وهي لا تعلم انني الضائع في هذه اللحظة فكرا وفعلا .. قفزت ببراءة الى جانبي واحتوتني بزراعيها الصغيرتين .. ثم التفتت ناحية خالتها قائلة : ( امي تنتظرني تحت في السيارة وقد اوصتني ان اعطيك الأدوية ) واشارة بيدها ناحية الشنطة .. ثم قفزت مرة اخرى بذات البراءة بعد ان ودعتني بلطف وبراءة الاطفال .. وغادرت بعد اقفلت الباب خلفها .. وتركتنا  …

نعم .. تركتنا وحالة من الصمت تعم المكان …

اتت لوحدها .. لم يلحق بها شخص وغادرت لوحدها …

غادرت بعد ان احدثت حالة من الخوف والهلع لا توصف …

غادرت بعد ان اشعرتني بالغباء وعدم القدرة على التصرف ..

ماذا لو تعاملت مع الأمر بكياسة دون خوف ؟ ماذا لو كنت طبيعيا بدلا من ارتداء ثوب لصوصي قبض به سارق ؟ ما الخطأ الكبير الذي ارتكبته ليجعل الخوف سلطان اللحظة .. والتبله والتردد سيد الموقف ؟

لماذا لم احافظ على رباطة جأشي كرجل امامها بدلا من الإرتعاش مثل الاطفال ؟

حتما لن تثق في قدرتي على التصرف بعد هذا الموقف ؟ ولن تشعر بالأمان معي ؟؟

غضبت من نفسي .. وادرت رأسي بخجل ناحيتها والانكسار يتملك ملامحي .. ولكن ….

كم أدهشني أن اجدها مبتسمه .. وابتسامتها تتسع قليلا قليلا .. حتى انفجرت ضاحكة … ضحكت بشدة وهي تقبض بيدي وتحاول ان تقول شيئا .. ولكن منعها الضحك من القول … ولم اجد شيئا افعله غير الضحك معها  ..

فبينما كانت تضحك من دواخلها للموقف .. كنت اضحك انا لأخفي تساؤلاتي ومخاوفي وقلقي وكسوفي ….

تركت يداي وهي مازالت تضحك وتوجهت ناحية المنضدة .. وقفت امامها وحملت الشنطة الصغيرة وهمت بالانصراف الى الداخل .. وهنا تذكرت الدواء .. وسألت نفسي هل هي مريضة ؟ واي دواء تتعاطى ؟ وأي مرض هذا الذي يجعلها بكامل حيويتها ونشاطها ؟؟؟.. وبينما الأسئلة تدور في رأسي .. يبدو انها قد حملت الشنطة بالمقلوب فقد سقط صندوق من صناديق الأدوية على الأرض ..

ووقعت عيناي على إسم الدواء .. وصعقتني المفاجأة .. فقد كان الدواء ليبونكس ..

نعم ليبونكس دواء يعطيه الأطباء النفسيين لمرضاهم ..

ما الذي يجعلها تتناول دواء لا يتناوله الا مريض نفسي ..؟؟

ودون ان اشعر وجدت نفسي أحدق في وجهها .. وسؤال وحيد يعصف بكل الاسئلة السابقة ..

هل هي مجنونة ؟؟؟

هل هي مجنونة ؟ سؤال اصابني بالتبله والتراجع الفطري لكل إحساس حملته معي لهذا اللقاء .. سؤال عصف بكل ثقتي الحتمية في احتمالات إعجابها الكبير بي .. سؤال ماتمنيت ابدا أن يكن واحدا مما كان يدور بخلدي ..

ماذا لوكانت فعلا مجنونة ؟ هل يعطيني هذا الحق في ممارسة مجموعة من المرتكزات العاطفية المبنية على مقدار التعقل بيني وبينها ؟ ام إن الجنون يمنع العاطفة من انجاب شغف يملؤه الإشتهاء !! وإن كانت مجنونة بما يناديني الحس الإنساني همسا او جهرا فيما سأفعله في مقبل اللحظات القادمات ..

والحق يقال اختلطت في دواخلي جميع المعادلات العاطفية والحسية .. وعمت الفوضى جميع غرف العقل والقلب معا .. وفقدت الاتزان والرغبة في ميزان ما أريد او لا أريد !! فالأنثى التي امامي جعلتني اليوم اختبر مجموعة من الأحاسيس ما ظننت ابدا اني سأختبرها في بضعت ثواني تمل لها الدقائق والسويعات ..

نظرت اليها علني اجد تأكيدا للجنون في ملامح وجهها .. فلم أجد سوى ابتسامة هادئة مريحة من بين شفتيها العنابيتين التي لم يبخل الخالق في اضافة كل ماهو جميل لتلك الشفاه .. كأنما هي المقصودة ب ( وعضت على العناب بالبرد ) .. كيف تكون صاحبة هذا الوجه الملائكي مصابة بالجنون ؟ وهي القادرة ان تهبك الجنون إن لم تمنحك ابتساما يريحك من عناء الحياة واللهث خوفا من الصعاب !!

وجدت نفسي اطوف بتروي في ملامحها كأنني احاول ان افند هذا الاتهام .. ودون ان ادري وجدت عيني تدمع قهرا مما يدور من اسئلة ارهقتني واحاطتني بالقلق ..

إقتربت مني وأنا احاول إخفاء تلك الدمعة الساخنة التي لن استطيع سرد اسبابها وتبريرها مهما كان .

جلست الى جانبي مرة اخرى وقالت 🙁 نعم ياعزيزي .. كأنما قرأت ماتفكر فيه .. انا مريضة نفسيا ! ويعالجني طبيب نفسي منذ خمس سنوات )

دون وعي وجدت نفسي اتمتم : خمس سنوات

قالت : نعم !!

ثم شردت ببصرها بعيدا بعد ان اخرجت من صدرها نفسا طويلا يحكي عن مأساة القادم .. واردفت قائلة : ( كنت حينها ادرس في الثانوية العليا .. في آخر عام  .. وانا اتأهب لامتحانات نهاية المرحلة التي بموجبها ادخل الجامعة .. وفي تلك الأيام كانت لي صديقة ادرس معها ليلا في بيتها لأن والدها معلما بالمرحلة الثانوية .. كنا نقضي الساعات ليلا في مراجعة الدروس مع والدها .. )

صمتت لحظة ونظرت ناحيتي فوجدتني كلي اذان صاغية .. ثم واصلت قائلة دون ان تخفي عينيها الممتلئة بالدموع : ( لم الحظ ابدا إن والدها كان مهتما بي وكثيرا ما كان ينظر لي بعين الطمع والخبث في الوقت الذي كنت اضعه في مكانة الوالد رحمه الله .. وفي يوم من الأيام حضرت كالعادة الى منزل صديقتي بعد المغرب .. وبعد السؤال عرفت من والدها انها ذهبت مع والدتها للقيام بواجب العزاء في وفاة احد اقاربها .. فقمت بسرعه في تقديم واجب العزاء لوالدها وهممت بالمغادرة .. ولكن سرعان ما اوقفني والدها طالبا مني الجلوس بحجة ان الدرس قائم حتى في غياب ابنته .. حاولت الاعتزار ولكن كان اصراره أكبر بعد تقديم عدد من الحجج اولها هذا المشوار الذي قطعته في القدوم اليهم .. ترددت أكثر من مرة في الجلوس ولكن خفت ان اكسر بخاطره ..فاستجبت .. وجلست بعد عبارته بأننا سنقوم بالمراجعة لحين عودتها ..

وبعد جلوسي لاحظت انه بدأ ينظر لي بنظرة لم افهمها في البدء رغم شعوري بالخوف والقلق بمجرد اقترابه أكثر من المعتاد .. اقترب حتى شعرت بانفاسه المتلاحقة  .. حينها لم اكن اعلم ان الرجال الكبار في السن يمكن ان تمتد اطماعهم لفتاة صغيرة وصديقة في نفس الوقت لابنتهم .. لم اكن اعلم انهم مثل الذئاب يمكن ان يخططو اياما وايام لإفتراس مايشتهون .. صدقني لم اكن اعلم

ثم انخرطت في البكاء بشدة .. بكاء لا يخلق في دواخلك سوى العطف والغضب ممن يمكن ان تسول له نفسه بانتهاك البراءة وبكاء هذا الملاك … مددت يداي واحتويتها بين زراعي .. وسؤال يمزقني ويقطعني اشلاء في معرفة مافعله هذا الرجل ؟؟؟؟

 

 

الى اللقاء في الحلقة الثالثة

شاهد أيضاً

الهندي عزالدين-عن تعديلات الحكومة والحزب.. و ثورة (الفيس) !!

لا شك عندي أن مشروع التغيير الذي ابتدره الرئيس “البشير” سيتواصل، بلوغاً لغاياته السياسية الشاملة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + three =